عبد الوهاب الشعراني

135

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

« الصّيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة . فيقول الصّيام : أي ربّ منعته الطّعام والشّراب والشّهوة فشفّعني فيه ، ويقول القرآن : منعته النّوم بالّليل فشفّعني فيه قال فيشفعان » . وروى ابن ماجة مرفوعا : « لكلّ شيء زكاة وزكاة الجسد الصّوم » . وروى البيهقي مرفوعا : « إنّ للصّائم عند فطره لدعوة لا تردّ » . وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه واللفظ له وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « ثلاث لا تردّ دعوتهم الصّائم حتّى يفطر » الحديث . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « ما من عبد يصوم يوما في سبيل اللّه تعالى إلّا باعد اللّه بذلك اليوم وجهه عن النّار سبعين خريفا » . قال الحافظ : قد ذهبت طوائف من العلماء إلى أن هذا الحديث في فضل الصوم في الجهاد وبوب على ذلك الترمذي وغيره ، وذهبت طائفة إلى أن كل صوم في سبيل اللّه إذا كان خالصا للّه تعالى واللّه أعلم . [ الترغيب في قيام رمضان : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن يكون معظم قصدنا من قيام رمضان وغيره امتثال أمر اللّه عزّ وجل والتلذذ بمناجاة الحق لا طلب أجر أخروي ونحو ذلك هروبا من دناءة الهمة ، فإن من قام رمضان لأجل حصول الثواب فهو عبد الثواب لا عبد اللّه تعالى ، كما أشار إليه حديث : « تعس عبد الدّينار والدّرهم والخميصة » . اللهم إلا أن يطلب العبد الثواب إظهار الفاقة ليميز ربه بالغنى المطلق ويتميز هو بالفقر المطلق ، فهذا لا حرج عليه ، لكن هذا لا يصح له إلا بعد رسوخه في معرفة اللّه عز وجل بحيث يصير يجل اللّه تعالى أن يعبده خوفا من ناره أو رجاء لثوابه . فيحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به حتى يدخله حضرة التوحيد فيرى أن اللّه تعالى هو الفاعل لكل ما برز في الوجود وحده ، والعبد مظهر لظهور الأعمال إذ الأعمال أعراض وهي لا تظهر إلا في جسم ، فلولا جوارح العبد ما ظهر له فعل في الكون ولا كانت الحدود أقيمت على أحد ، فافهم . ومن لم يسلك على يد شيخ فهو عبد الثواب حتى يموت لا يتخلص منه أبدا ، فهو كالأجير السوء الذي لا يعمل شيء حتى يقول لك قل لي إيش تعطيني قبل أن أتعب ؟ فأين هو ممن تقول له افعل كذا وأنا أعطيك كذا وكذا ؟ فيقول واللّه ما قصدي إلا أن أكون من جملة عبيدك ، أو أن أكون تحت نظرك أو أن أكون في خدمتك لا غير ، أليس إذا اطلعت على صدقة أنك تقربه وتعطيه فوق ما كان يؤمل لشرف همته ، بخلاف من شارطك فإنه يثقل عليك وتعرف أنت بذلك خسة أصله وقلة مروءته ، ثم بعد ذلك تعطيه أجرته وتصرفه